|
من تاريخ المدارس في دمشق بدأت المدارس الرسمية التي تشرف عليها الدولة قليلة في مطلع القرن العشرين، ثم تزايد عددها في الأحياء المختلفة. وكانت مدارس الذكور أكثر من مدارس الإناث، لامتناع الأهالي عن إرسال بناتهم إليها. وكان عدد المدارس الابتدائية في دمشق عام 1920: خمسة عشر مدرسة للذكور تضم 51 صفاً، وعشر مدارس للإناث تضم 31 صفاً. ثم تزايدت تدريجياً مع ازدياد الوعي والإقبال على العلم واهتمام الدولة بالتعليم، ففي عام 1967 بلغ عددها 203 مدارس للذكور و150 للإناث. وكان مكتب عنبر المدرسة التجهيزية (الثانوية) الوحيدة في المدينة، وظهرت إلى جانبه بعض المدارس الخاصة كالعازارية والراهبات الفرانسيسكان. وأسست السلطات الفرنسية مدرسة الفرير في منطقة الطلياني، لكنها أغلقت عام 1946 ثم أعيد فتحها تحت اسم الأخوة. وشيد الفرنسيون أيضاً معهد اللاييك (البعثة العلمانية) في شارع بغداد. ولما كان مكتب عنبر لا يستوعب الطلاب الذين ازداد عددهم كثيراً، بدأت الحكومة ببناء مدرسة التجهيز الأولى (جودت الهاشمي) بتخطيط خاص، لتستوعب عدداً كبيراً من الطلاب وتحل مكان مكتب عنبر. فكانت تحوي إلى جانب الصفوف: قاعات للخطابة والأشغال اليدوية ومكتبة ومرسم ومطعم ومهاجع للطلاب الليليين الذين يفدون إليها من مناطق بعيدة عن المدينة. واستقبلت التجهيز طلابها منذ العام الدراسي 1936-1937، وأغلق مكتب عنبر الذي كان يضم نحو 550-600 طالب. ثم تأسست التجهيز الثانية في الحلبوني، وتعددت مدارس الذكور والإناث لتستوعب الآلاف من الطلاب. وكان طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية يدفعون رسوماً مدرسية في فترة الانتداب. وكانت الرسوم عام 1926 كالتالي: الطالب الخارجي 30 ليرة، الداخلي 150 ليرة، والداخلي في المدارس الابتدائية 120 ليرة. وهو رسم سنوي يدفع في مطلع العام الدراسي، ويعفى الحائزون على كرسي مجاني من كامل الرسوم، والحائز على نصف كرسي يعفى من نصف الرسم. وعلى إثر الاستقلال وإلغاء الأقساط المدرسية، ازداد الإقبال على التعليم فاضطرت وزارة المعارف لوضع شروط لقبول الطلاب في المدارس الثانوية، وهو الحصول على حد أدنى من الدرجات في فحوص الشهادة الابتدائية. واستعانت بالأقطار العربية فاستقدمت عدداً من مدرسيها للتدريس في مدارسنا الثانوية. ولما عجزت الأبنية المدرسية عن استيعاب كافة الطلاب، طبقت الوزارة نظام الفوجين من الطلاب في المدرسة الواحدة، وأصبح كل فوج يشغل المدرسة نصف النهار، بينما كان الدوام حتى الأربعينات يمتد على فترتين: صباحية فيها أربعة دروس، وفترة بعد الظهر وفيها درسان، عدا بعد ظهر يومي الإثنين والخميس، ثم أضيفت حصتان للأعمال الحرة يوم الإثنين. وعندما استكملت الوزارة النقص في الأبنية المدرسية، ألغت نظام الفوجين من الطلاب الذي يتنافى مع العملية التربوية، وبقي الدوام يقتصر على فترة صباحية فقط. وبعد أن كانت الوزارة تستعين بأساتذة من الدول العربية، أصبحت توفد الأساتذة للتعليم في بعض الأقطار العربية. أما بالنسبة للمراحل والشهادات، فقد كان مكتب عنبر يضم سبعة صفوف، تشكل الصفوف الخمسة الأولى منها المرحلة الابتدائية، ويحصل الطالب بنهايتها على شهادة ابتدائية تخوله الانتساب إلى دار المعلمين والمعلمات، ومَن يجتاز الصف السابع بنجاح يحصل على الشهادة الإعدادية التي تسمح لحاملها بالانتساب إلى كلية الحقوق. أما دور المعلمين والمعلمات فمدة الدراسة فيها ثلاث سنوات. ولما اختلفت الأنظمة بين المدارس الرسمية والخاصة، وفي سبيل تحقيق وحدة التعليم، أحدث المستشار الفرنسي عام 1928 نظام البكالوريا بقسميه (البكالوريا الأولى والثانية)، وبعد الاستقلال تم توحيدها في الثانوية الموحدة. كما ألغيت الشهادة الابتدائية وأصبحت المرحلة الابتدائية تضم ستة صفوف بدلاً من خمسة سابقاً، وألغي النظام الداخلي من المدارس في المدينة بعدما توفرت المدارس في كل قرية وحي. وبعد الاستقلال تم تعديل المناهج تعديلاً جذرياً، لأن تعليم اللغة الفرنسية كان يبدأ في العشرينات من الصف الأول الابتدائي، ثم أصبح يبدأ من الصف الرابع بعد احتجاج الحكومات الوطنية، لأن ذلك يكون على حساب تعليم اللغة القومية. ثم أصبحت اللغات الأجنبية تدرس بدءاً من المرحلة الإعدادية. كما كان للحضارة الغربية والثورة الفرنسية النصيب الأكبر في كتب التاريخ (قبل الاستقلال)، وأهمل التاريخ القومي، لذلك شهدت ساحة الشهداء (المرجة) في دمشق بعد أول عيد جلاء حفلاً جماهيرياً تم فيه حرق الكتب الفرنسية، خاصة المدرسية منها، إيذاناً بانتهاء الاستعمار السياسي والثقافي معاً. وكانت العلاقة بين البيت والمدرسة قوية، لأن الحي لا يضم إلا مدرسة ابتدائية واحدة تجمع كل طلاب الحي، وكان أساتذتها من نفس الحي أيضاً، وكثيراً ما كان يجتمع الآباء والأساتذة هنا أو هناك، ويتبادلون الرأي حول أوضاع الطلاب، فكان المردود التربوي كبيراً. بينما ضعف هذا الرابط لما تعددت المدارس في الحي الواحد، وبات الأستاذ لا يعرف آباء طلابه، ولا يتردد هؤلاء إلى المدرسة للاطلاع على أحوال أبنائهم، فأوجدت الوزارة مجلس الآباء للحفاظ على التعاون بين البيت والمدرسة لخدمة العملية التربوية. وكانت لنتائج امتحانات الشهادات العامة أهمية كبيرة، سواء الإعدادية أو الثانوية. وكانت في الأربعينات تذاع من الراديو، فعندما تعلن وزارة المعارف عن موعد إذاعة النتائج، يتجمع كافة أفراد الأسرة في كل بيت حول الراديو، ينتظرون بفارغ الصبر وبأعصاب متوترة صوت المذيع وهو يقول "إليكم الآن نتائج الشهادة... يذيعها عليكم الأستاذ مطاع الجعفري". فإذا كان الطالب في عداد الناجحين، علا الهتاف والتصفيق في الغرفة، وانقطع الاستماع لبقية النتائج، ليتبادل الجميع التهاني وتنهال القبلات على الناجحين. ولاحقاً، وبسبب الأعداد الكبيرة التي تتقدم لفحوص الشهادتين، صارت النتائج تنشر في الصحف بالنسبة للشهادة الثانوية، بينما تعلن نتائج الإعدادية في المدارس. أما اليوم فتعلن نتائج الشهادتين في المدارس، ولا تنشر الصحف إلا أسماء الأوائل. ولم يكن الدوام الرسمي حتى مطلع الخمسينات منتظماً، بسبب الصراعات الحزبية والاضطرابات السياسية في البلاد، وتدخل الطلاب في هذه الصراعات وإضرابهم عن الدروس. فقلما كانت السنة الدراسية ينتظم دوامها كاملاً، حتى بلغ مجموع أيام الدوام في إحدى السنوات في الأربعينات 63 يوماً فقط، ومع ذلك كان طلاب الشهادات مطالبين بكامل منهاجهم. وقد علقت إحدى المجلات عام 1953 على الدوام وكأنه نبأ هام غير مألوف فكتبت: "إن الطلاب على مختلف مدارسهم وكلياتهم واظبوا على دروسهم بانتظام، ولم ينقطعوا عن الدراسة يوماً واحداً".
المصدر: ماجد اللحام، "دمشق في نصف قرن"، دار الفكر بدمشق 1990 |