رواية شاهد عيان على العدوان الفرنسي على مبنى البرلمان السوري في دمشق

29 أيار 1945

من مقدمه الشرطي ابراهيم الشلاح رقم (287) من مرتبات شرطة البرلمان يوم الحوادث الأخيرة يعرض ما يأتي:

في مساء يوم الثلاثاء الواقع في التاسع والعشرين من شهر أيار لعام 1945 بينما كنت في البرلمان مع بقية المرتب وعلى رأسنا المفوض الثالث السيد سعيد القهوجي، إذا بالسلطة الإفرنسية من الأركان الحربية ترسل إنذاراً الى حامية الدرك الموجودة في البرلمان لزوم أخذ التحية الرسمية للعلم الافرنسي حين إنزاله من على بناية الأركان الحربية وإلا فالسلطة المذكورة تكون مضطرة لإطلاق الرصاص عليهم. وحوالي الساعة التاسعة عشرة من الوقت المذكور أنزل العلم المذكور دون أن يقوم أحد من رجال الدرك والشرطة الموجودين في البرلمان بأخذ التحية التي كلفوا بها. وبعد برهة عشر دقائق تقريباً بوشر بإطلاق الرصاص والقنابل وغيره من الأسلحة المتفجرة على البرلمان من جميع أطرافه ودام ذلك حتى الساعة العشرين والنصف تقريباً حيث شاهدت الشرطي محمد مدور يهبط علينا من الطابق العلوي مضرجاً بدمه وبيده بندقية إنكليزية، فطلب إليه المفوض سعيد القهوجي أن يذهب إلى إحدى الدور المجاورة لإسعافه فأجابه الشرطي محمد أنه لا يريد الذهاب بل يفضل البقاء في البرلمان والموت فيه... وفي هذه الأثناء تقدم إلى القائد شفيق المملوك وطلب الصعود الى الطابق العلوي من بناية المجلس لمساعدة رجال الدرك لإنزال القتلى والجرحى، فأسرعت لتلبية هذا الطلب بعد أن أمرني المفوض السيد سعيد. وفي الطابق العلوي شاهدنا أحد رجال الدرك مجروحاً والبقية قتلى مهشمين، وكان إطلاق النار لايزال مستمراً بشدة، وتهدم قسم من واجهة بناية البرلمان الداخلي. وتمكنا بعد جهد من إنزال بعض الجرحى وبقية القتلى، وهناك تفقدت المفوض السيد سعيد مع الشرطيين الذين كانوا برفقته فلم أجدهم، فتقربت من الشرطي السيد محمد الجريح وسألته عن المفوض ومن معه من رجال الشرطة فقيل لي أنهم خرجوا الى الحديقة.

وفي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ونحن لانزال في القبو وإطلاق النار لايزال مستمراً بشدة على بناء المجلس، إذ يواجهنا هجوم الدبابات من باب الحديقة الخلفي وبرفقتها مشاة من السنغال فدخلوا الحديقة وهم يطلقون النار من البنادق والقنابل والرشاشات (ويقولون كلمة ­انفان­ إلى الأمام) فاستمروا بزحفهم هذا الى باب قاعة المجلس الداخلية دون أن يكفوا لحظة عن إطلاق النار. وفي هذه الأثناء كنا نسمع أصوات الذعر والاستغاثة تنطلق من رجال الدرك الموجودين بالقاعة الداخلية للمجلس. وبينما نحن على هذه الحال إذا بخمسة رجال من جنود الدرك يلقون بأنفسهم علينا من نافذة أرضية تطل على القبو. وعلى ما يظهر أن هؤلاء الجنود قد شوهدوا أثناء قيامهم بهذه العملية من الجنود الإفرنسيين والسنغال فاتجهت أنظارهم الينا وأخذوا يصبون النار من أسلحتهم المختلفة علينا، فما كان من أحد هؤلاء الدرك إلا أن صاح بقوله "سلمنا" وذلك باللغة الافرنسية، فتوقف إطلاق النار وخرجنا مستسلمين رافعين أيدينا الى أعلى. ولدى وصولنا إليهم أخذوا يتحرون ويأخذون ما يعثرون عليه من دراهم وأشياء وغيرها. وبعد أن فرغوا من تحرياتهم هذه جردونا من أسلحتنا وكل ما نملكه. ‏

وكان جملة ما أخذوه مني البندقية الحربية التي استلمتها من الشرطي الجريح محمد مدور وخراطيشها ومسدسي الأميري والدراهم وغيرها. ثم ابتعدوا عنا مقدار ستة أمتار وباشروا بإطلاق النار على كل فرد منا فوقعنا جميعاً على الأرض من جراء الإصابات التي أصبنا بها، وكان نصيبي من هذه الإصابات رصاصة دخلت من ثديي الأيسر وخرجت من القرب من الثدي الأيمن، وأخرى في خاصرتي اليسرى خرجت من الخلف، وثالثة في يدي اليسرى ايضاً فحطمت عظم مشط الكف. ثم بعد عملية الإعدام هذه اقترب مني أحد جنود السنغال وضربني بساطور كان بيده على أنفي يقصد بذلك قطع رأسي ولكن الحمد الله تعالى جاءت هذه الضربة خفيفة فكانت سبباً لسلامتي منها إلا من جرح بليغ لايزال أثره ظاهراً، ثم سدد إلي ضرباً على رأسي من "البسطار" الثقيل الذي كان يلبسه في رجله فجرحني جرحاً بليغاً لايزال باقياً حتى الآن. ثم بعد أن ذهب هذا الجندي بعيداً عني أخذت أنظر من طرف خفي إلى رفاقي الذين كان يمثل بهم من قبل السنغال أيضاً، فشاهدت أن واحداً منهم تقدم إلى المفوض سعيد القهوجي وأخذ يضربه بساطور على رجله اليسرى ويده ضربات متواليات حتى قطعهما ثم فقأ عينيه بحربته. وهكذا فعلوا بالشرطي محمود جبيلي وبقية رجال الدرك الخمسة الذين كانوا معنا. كل ذلك جرى على مرأى ومسمع مني، إذ كنت لا أزال من شدة الرغبة في المحافظة على حياتي محتفظاً بوعيي الكامل وأستجير بالله تعالى في قلبي أن يمنع عني شرهم. ثم بعد أن فرغوا من مهمتهم الوحشية هذه تركونا وذهبوا الى جهة ثانية فأحببت أن أتنفس الصعداء فأتيت بحركة بسيطة لعلمي انه لايوجد أحد يشاهدني، غير أن ظني هذا كان وهماً، فإن جنديين سنغاليين من خلفي شاهدا حركتي هذه وصوب أحدهما بندقيته وأطلق علي عياراً منها إلا أنها لم تخرج، وذلك لما في أجلي من تأخير. ‏

وحوالي الساعة الرابعة صباحاً جاء بعض الجنود ومعهم سيارة كبيرة، وأخذوا يضعون فيها جثث القتلى من درك وشرطة، ولدى وصولهم إلي أظهرت لهم انني لاأزال على قيد الحياة فتقدم جندي برتبة "سرجان" وطلب من بعض الجنود إحضار سدية حيث أخذوني الى المستشفى العسكري الافرنسي. هناك شاهدت الشرطي السيد محمد مدور وجنديين آخرين من رجال الدرك في غرفة العمليات. ثم أجريت لنا الإسعافات اللازمة بمعرفة الطبيبين البيرقدار والصباغ والطبيب الافرنسي شارل، ونقلنا الى غرفة مظلمة علمنا بعدئذ أنها سجن. وبدخولنا إليها وقع نظرنا على سبعة من رجال الدرك مصابين بجراح مختلفة، وهكذا بقينا في هذه الغرفة من صباح الأربعاء الموافق 30 أيار سنة 1945 لغاية الساعة 11 من يوم الاثنين الموافق في 4 حزيران سنة 1945، حيث جاءت سيارة من سيارات الإسعاف البريطاني ونقلتني إلى مستشفى الطلياني كما نقل رفاقي إلى مستشفيات أخرى.

 

* المصدر: صحيفة تشرين، 6 تشرين الثاني 2002