|
رمـضـان وتـقـالـيـده الـشـامـيـة رغم التبدل الكبير في حياة دمشق، لا زال رمضان يحظى ببعض الاهتمام، فتزدحم الطرقات وتزداد كثافة السير قبيل المغرب، ثم يخيم الهدوء في أرجاء المدينة عند الإفطار، وترتفع أصوات المقرئين من الراديو وآلة التسجيل للتبرك بآيات الذكر الحكيم. ويزداد الإقبال على المساجد والمقاهي. كما تدب الحركة في الأحياء عند السحور. ولكن لو عدنا قليلاً إلى الوراء لوجدنا لرمضان مكانة أكبر على الصعيد الشعبي، تبدأ قبيل حلول شهر الصوم. فيقبل الناس على بائعي المواد الغذائية لشراء لوازم رمضان، مثل قمر الدين والنقوع والزبيب والمواد الأخرى المختلفة، ويخرجون إلى النزهات يوم الجمعة الذي يسبق رمضان (تكريزة رمضان)، ويمضون النهار بكامله في تناول الأطعمة. وعلى الصعيد الرسمي تفتح المحكمة الشرعية أبوابها بانتظار شهادة الذين يلتمسون رؤية هلال رمضان، لتعلن بدء الصوم. كما ترسل الجهات المعنية مدفع رمضان إلى ساحة المهاجرين، تجره سيارة عسكرية، ويثبتوه هناك باتجاه المدينة ليطلق القذائف الخلبية عند الإفطار والإمساك. وكانت دمشق تسمع صوت هذا المدفع بوضوح لصغر حجمها ولقلة الصخب والضجيج فيها. ويبقى هذا المدفع يؤدي مهامه حتى آخر أيام عيد الفطر، ثم يصمت حتى الموسم القادم. ويعتمد الجندي في تحديد موعد إطلاق القذائف على مآذن الجامع الأموي، لأن المؤذنين هناك لهم خبرة خاصة في تحديد موعد آذان المغرب اعتماداً على غروب الشمس. وعندما تضاء مآذن الأموي ويراها مؤذنو المساجد في أنحاء المدينة، ترتفع أصواتهم بالآذان مع دوي صوت المدفع، ويبدأ الإفطار أو الإمساك. أما اليوم فلا يوجد مدفع لرمضان ولا يعتمد المؤذنون على توقيت الأموي، بل يسترشدون بالإمساكية التي يكثر توزيعها في مطلع رمضان لتوحيد الأوقات. واستبدل المدفع بالألعاب النارية التي تعطي صوتاً قوياً لتنبيه الصائمين. كانت الحركة تتوقف في الأسواق قبيل الإفطار، ويعود كل امرئ إلى داره، ويسود الهدوء مع بدء الإفطار لينشغل كل بطعامه. ويسعى بعض الأغنياء إلى إطعام الفقراء والمساكين طمعاً بالثواب الكبير لمن يفطر صائماً. أما اليوم فتتميز فترة قبل الإفطار بازدياد كثافة السير وازدحام الطرقات، لاتساع المدينة وعودة الناس في وقت واحد من متاجرهم إلى بيوتهم في الأحياء المختلفة، حاملين معهم الأطعمة والحلويات، بينما تصدح أصوات المكبرات من المساجد بتلاوة القرآن في كل مكان. وما أن يحين موعد الإفطار حتى يخيم الهدوء على المدينة، وتتوقف حركة السير تقريباً، وكأنه فرض منع للتجول لمدة ساعة. ويجلس أفراد الأسرة حول المائدة العامرة بأنواع الأطعمة الشهية المحرمة عليهم حتى يحين موعد الإفطار. ولا تلبث أن تدب الحياة من جديد في الأزقة والشوارع بعد الإفطار، فيخرج الناس إلى المساجد التي ترتادها النساء أيضاً لصلاة التراويح، وكانوا يفضلون أداءها في الجامع الأموي. وقد أصبح رواده الآن قلائل لأن المنطقة أصبحت لا سكنية، بينما امتلأت مساجد الأحياء بالمصلين. وكان بعضهم يتجهون إلى المقاهي لمشاهدة عروض "كراكوز وعيواظ" والاستماع إلى الحكواتي. ولكن حل محل ذلك فيما بعد التلفزيون، الذي يزيد ساعات بثه يستعد ببرامج مناسبة ويقدم عروضاً خاصة لشهر رمضان المبارك. وقد نشرت مجلة "المضحك المبكي" في عددها الصادر في 1963/1/28 أن البث التلفزيوني تمدد بمناسبة شهر رمضان فأصبح من السابعة مساء حتى الواحدة ليلاً. ويحلو السهر كثيراً في رمضان بين عبادة وسمر، وقد يمتد حتى فترة السحور. وكان الناس يزورون بعضهم في أول رمضان المبارك للمباركة بشهر الطاعة، وفي نهاية الشهر لجمع المساعدات وزكاة الفطر للفقراء. المصدر: ماجد اللحام، "دمشق في نصف قرن"، دار الفكر، دمشق 1990 |
||
|
طـال المـطـال : القائمة البريدية
للمغتربين السوريين - من دمشق أونلاين |